محمد جواد مغنية

69

عقليات إسلامية

أعلام وعمائم : ورحم اللّه علماءنا القدامى ، عاشوا - على فقرهم وحاجتهم - مع كتب الورق الأصفر المطبوع بالحجر بلا فواصل ودلائل ورؤوس أسطر وما شبه ، واقبلوا عليها بحب وتقدير ، ودرسوها بفهم وعمق ، وناقشوها بوعي وروية . . يسهرون معها حتى الصباح على مصباح شاحب تحوم عليه وعليهم البعوض اللاسعة ، وتدب من حولهم العقارب اللادغة ، وما زادهم ذلك إلا ظمأ للعلم ، ونشاطا في طلبه حتى بلغوا منه قمة القمم ، وكان منهم صاحب الكفاية والرسائل ، والمستمسك والجواهر ، ومن قبلهم الشيخان : المفيد والطوسي ، والشهيدان : الجزيني والجبعي ، والمحققان : الحلي والعاملي ، والعلامتان : الحلي والمجلسي . . إلى ما لا يبلغه عد وحصر . ولا أدري : هل البؤس يحث على الحركة ، والحاجة على البحث والتفكير ؟ وايا كان السبب فان العديد من العلماء والفلاسفة والأدباء - قد حطموا الحواجز على صخرة الصبر ، وانتصروا على الآلام ، وابدعوا في كل ميدان . . ورأيت ، وانا طالب في النجف ، أساتذة وتلاميذ قد عضهم الجوع ، وانهكتهم الشدة ، وبالرغم من هذا كانوا عند النقاش كالسيل الدافق . . ثم عشت رأيت نوعا من الطلاب لا يهتم واحدهم بدرس وتحصيل ، وشغله الشاغل - وهو طالب - أن يبني دارا فارهة بالأدوات والمكيفات . . والسجاد والحجرات وإذا فتح كتابا شعر بالاختناق ! . . لا يا شيخ . . أما العلم وحده لا شريك له ، وأنت حبيس في طلبه ، واما الدنيا وكفى .